الأحد، 26 أبريل 2026

 

  •                                                                                          الفصل الاول :

            1. تعريف العقوبة وتاريخ عقوبة الإعدام

المبحث الأول

ماهية العقوبة

أولا :تعريف اللغوي للعقوبة

تُشتق كلمة "عقوبة" من مادة "عقب"، التي تدل في أصلها على التتابع والتوالي، ومن ذلك جاء لفظ "العقاب"، أي ما يُعقب الفعل من جزاء.وقد جاء في لسان العرب أن العقوبة تعني: "الجزاء على الذنب، وهي من العقاب. يقال: عاقبته معاقبةً وعقابًا، أي جازيته بما فعل."وبذلك، تفيد العقوبة في معناها اللغوي الجزاء والمجازاة، سواء كانت على فعل حسن أو سيء، وإن كان الغالب في استعمالها أن تكون جزاءً على الخطأ أو الذنب.

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للعقوبة

تعددت تعاريف العقوبة في الفقه الجنائي بحسب المدارس القانونية المختلفة، إلا أن أغلب الفقهاء يجمعون على أنها:

"إيلام مقصود يلحق الجاني جزاءً على ارتكابه فعلاً محظورًا، يقرره القانون ويوقعه القاضي باسم المجتمع."

ويتضح من هذا التعريف أن العقوبة تتضمن العناصر التالية:

الإيلام المقصود: جسديًا أو نفسيًا أو ماليًا.

العدالة القانونية: إذ لا عقوبة بغير نص قانوني.

السلطة المختصة: فالعقوبة لا تُنفذ إلا بوساطة الدولة.

الغرض الوقائي والإصلاحي: فهي لا تقتصر على الجزاء، بل تمتد إلى الردع العام والخاص.

ثالثًا: العقوبة في الشريعة الإسلامية:

تميّزت العقوبة في الفقه الإسلامي بطبيعتها الشمولية التي تجمع بين الأثر الدنيوي والجزاء الأخروي. وقد وصفها الفقهاء بعبارة جامعة:

"العقوبة زواجر قبل الفعل، وجوابر بعده."

أي أن العقوبة في الإسلام تؤدي وظيفتين:

الزجر قبل وقوع الجريمة: وذلك بتحذير الناس منها وبيان عواقبها.

الجبر بعد وقوعها: فبإقامة العقوبة يكفّر الذنب وينال الجاني كفارة دنيوية عن إثمه في الآخرة، ما لم يكن قد تاب.

وتتوزع العقوبات الشرعية إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

1.       الحدود: وهي عقوبات مقدّرة شرعًا، لا يجوز فيها التعديل أو الاجتهاد.

2.       القصاص والدية: وتشمل جرائم القتل والجروح وما في حكمها.

3.       التعزير: وهي العقوبات التي يقدّرها القاضي بحسب اجتهاده في الجرائم غير المقدرة شرعًا.

رابعًا: العقوبة في القانون السوداني:

ينص قانون العقوبات السوداني لسنة 1991م على أنواع العقوبات، مميزًا بينها بحسب مصدرها، حيث عرّف العقوبة بأنها:

"أي جزاء يقرره القانون، ويشمل العقوبات التعزيرية ما لم تكن حدًا أو قصاصًا." (المادة 3 من القانون"

ومن خلال هذا التعريف، يتضح أن العقوبة في القانون السوداني تنقسم إلى:

عقوبات حدية وقصاص: وهي العقوبات المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية على سبيل الحصر.

عقوبات تعزيرية: وهي التي تُقرَّر لاجتهاد القاضي وتخضع لتقديره، مثل السجن، الغرامة، الجلد، أو الإصلاح.

وتؤدي العقوبة في النظام السوداني نفس الأهداف المعروفة في التشريعات الجنائية الحديثة، وهي: الردع، حماية المجتمع، تحقيق العدالة، وتأهيل الجاني.

يبين مما سبق أن العقوبة – بمختلف مفاهيمها في اللغة والاصطلاح والشريعة والقانون – تشكل الأداة الأهم في يد الدولة لتحقيق النظام العام، وصون الحقوق، وحماية المجتمع من الجريمة. وهي ليست مجرد أداة انتقام، بل وسيلة إصلاح وردع قائمة على ميزان العدل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

عقوبة الإعدام: لمحة تاريخية وفقهية وقانونية معاصرة

تُعد عقوبة الإعدام من أقدم العقوبات التي عرفها الإنسان، وواحدة من أكثرها إثارة للجدل عبر التاريخ. فهي تقع في مفترق طرق بين مقتضيات العدالة، ومبادئ حقوق الإنسان، وأحكام الشريعة، ومتطلبات الردع العام.

أولاً: جذور عقوبة الإعدام في المجتمعات القديمة:

ظهرت عقوبة الإعدام في المجتمعات البدائية باعتبارها رد فعل طبيعي للدفاع عن النفس أو للثأر من الجاني. لم تكن العقوبة آنذاك محكومة بقانون أو نظام قضائي، بل كانت تُنفذ من قِبل الفرد أو الجماعة، وغالبًا ما اتسمت بالقسوة المفرطة، كالحرق، أو الصلب، أو الدفن حيًا، حتى في الجرائم البسيطة.

ولم يكن للركن المعنوي للجريمة أي اعتبار في تلك المجتمعات، فكانت المسؤولية تُحمَّل لكل من ارتكب الفعل، سواء أكان إنسانًا أو حيوانًا أو حتى جمادًا، ما يعكس بدائية الفكر الجنائي في تلك المرحلة.

ثانيًا: تطور العقوبة في الحضارات القديمة:

مع نشوء الحضارات الكبرى، بدأت عقوبة الإعدام تُدرج في القوانين المكتوبة. فظهر قانون حمورابي في بابل، والقوانين الفرعونية، والشريعة الهندوسية، وكلها كانت تتضمن الإعدام كجزاء لجرائم تمس أمن الدولة أو النظام العام أو الأخلاق.

وقد ساهمت هذه القوانين في تقييد تنفيذ العقوبة، وربطها بسلطة عامة، غالبًا ما يمثلها الملك أو الحاكم، وهو ما يُعد انتقالا من الانتقام الفردي إلى العقاب الجماعي المنظم.

رابعًا: عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية

أسست الشريعة الإسلامية لرؤية متكاملة بشأن الجريمة والعقوبة، تقوم على مبادئ العدل، والردع، والرحمة. وقد حددت الشريعة أركان الجريمة في ركن مادي وركن معنوي، كما قررت شخصية العقوبة، ومبدأ افتراض البراءة، وموانع المسؤولية كالجنون، والإكراه، وصغر السن.

وقد قُررت عقوبة الإعدام في جرائم محددة، أبرزها:

القتل العمد (قصاصًا).

الزنا للمحصن (رجماً بعد توفر أربعة شهود أو الإقرار).

الحرابة (بناءً على نوع الجريمة).

الردة (وفق ضوابط فقهية دقيقة).

التجسس على الدولة الإسلامية لمصلحة العدو.

وتتميز الشريعة بفتح باب التوبة والعفو والدية، واعتبار درء الحدود بالشبهات قاعدةً حاكمة في التنفيذ.

خامسًا: موقف الفقه الجنائي الإسلامي المعاصر

يرى الفقه الجنائي الإسلامي المعاصر أن عقوبة الإعدام لا تتعارض مع حقوق الإنسان متى كانت مشروعة ومضبوطة، لأنها تهدف لحماية المجتمع وحفظ الضرورات الخمس. لكنه يدعو إلى:

  • تضييق نطاق الجرائم التي تستوجب الإعدام.
  • تشديد شروط الإثبات.
  • التأكيد على ضمانات المحاكمة العادلة.
  • استنفاد وسائل الإصلاح قبل الإعدام.

ويشدد الفقهاء على أن الإعدام لا يُنفذ إلا بيقين قضائي مطلق، ومع توافر كل شروط العدالة الموضوعية والإجرائية، بما يحفظ للنفس البشرية كرامتها وقدسيتها.

سادسًا: الإعدام في القوانين الوضعية المعاصرة

شهدت العقوبة تطورًا جذريًا في الفكر القانوني الحديث. فمع تنامي قيم الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، بدأت التشريعات الوضعية تُراجع موقفها من الإعدام، خصوصًا مع تزايد حالات الخطأ القضائي، وغياب الفاعلية المؤكدة للعقوبة في تحقيق الردع.

ونتيجة لذلك أُلغيت العقوبة كليًا في أكثر من 110 دولة، وجُمّدت فعليًا في نحو 30 دولة أخرى، بينما احتفظت بها دول مثل السودان ، مصر ، اليمن ، الصين، السعودية، إيران، والولايات المتحدة، في جرائم محددة.

ومن أهم المبادئ المستحدثة في هذا السياق:

  • الحظر المطلق لإعدام الأطفال والحوامل.
  • إلغاء العقوبة في الجرائم السياسية.
  • السماح بالعفو الفردي أو العام.
  • توسيع صلاحيات الطعن في الأحكام.

سابعًا: الإحصاءات والاتجاهات الدولية

وفق تقارير منظمة العفو الدولية (2024):

  • تم تنفيذ الإعدام في 20 دولة فقط من أصل 195.
  • أبرز الدول المنفذة: الصين (أعلى عدد)، إيران، السعودية، مصر.
  • في أوروبا، تم إلغاء العقوبة بالكامل.
  • هناك انخفاض بنسبة 60٪ في عدد الإعدامات عالميًا خلال العقد الأخير.

وتؤكد المؤشرات أن العالم يتجه تدريجيًا نحو إلغاء الإعدام أو تقييده بشدة، استجابة لضغوط المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والتطورات الفلسفية في فهم العدالة الجنائية.

ونرى أن عقوبة الإعدام تظل موضع جدل دائم بين اعتبارات الردع، ومقاصد الشريعة، ومبادئ حقوق الإنسان. فبينما يقرها الفقه الإسلامي بضوابط مشددة، تتجه القوانين المعاصرة إلى تقييدها أو إلغائها. ويبقى التحدي الحقيقي في ضمان عدالة العقوبة وعدالة تطبيقها، بما يحقق الأمن المجتمعي دون انتهاك لكرامة الإنسان، مع التسليم الكامل بما جاءت به الشريعة الإسلامية في هذا الصدد.

المبحث الثالث

عقوبة الإعدام في الشرائع السماوية

يتناول هذا المبحث عقوبة الإعدام في الديانات الثلاث: اليهودية، المسيحية، والإسلام.

الإعدام في الديانة اليهودية:

لقد وردت عقوبة الإعدام في التوراة وشهدنا ذلك من خلال القرآن الكريم. حيث يقول الله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا: والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون." ."(سورة المائدة: 44)

يقول سفر العدد في التوراة: "إذا قتل شخص شخصًا آخر بحجر أو أداة قاتلة، يجب قتله. وإذا دفعه بلا عداوة أو قصد، تقضي الجماعة بين القاتل وولي الدم وفقًا لهذه الأحكام وتنقذ القاتل من ولي الدم. “وميزت شريعة سيدنا موسى بين القتل المقصود وغير المقصود. تعاقب الإعدام على القتل العمد ولا تمنح حق الملجأ للقاتل عمداً، بينما تعتبر القتل غير المقصود نتيجة للقدر ولا تتحمل مسؤولية الفاعل. تسمح لولي الدم بالانتقام من الجاني دون انتظار حكم القضاء، ما لم يفر الجاني إلى ملجأ.

وتضمنت شريعة موسى عقوبات على القتل والجرائم الدينية والجنسية. يُقتل الحيوان إذا قتل إنسانًا، ويُعاقب صاحبه إذا كان يعلم بسلوكه العدواني. تتم معاقبة القتل، الشروع في القتل، ضرب أو شتم الأبوين، خطف الإنسان، ومواقعة الحيوان بالإعدام. الجرائم الدينية مثل السحر وعبادة الأوثان والعمل يوم السبت تعاقب أيضًا بالإعدام. تشمل العقوبات أيضًا الزنا واللواط وإخفاء الفتاة عدم عذريتها.

عقوبة الإعدام في الديانة المسيحية:

تقول النصوص المسيحية: "إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا... لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك." قامت المسيحية بتطوير الشرع اليهودي مع التركيز على الجانب الروحي. ورغم الاعتراف بعقوبة الإعدام استنادًا إلى أقوال السيد المسيح، إلا أن رجال الدين الأوائل قللوا من استخدام العنف واقتصرت العقوبة على الجرائم الخطيرة مثل السحر والخيانة. لاحقًا، حاولت الكنيسة تبني الدية والتعويض المدني كبديل للإعدام، مع الاحتفاظ بالعقوبة للجرائم المتعلقة بالعقيدة والأمن وحالات القتل البشعة.

عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية:

حرص الإسلام على حماية النفس البشرية من التعرض للظلم والعدوان، حيث حظي احترام حرمة الإنسان بتقدير كبير. تعتبر النفس الإنسانية من منظور إسلامي ثروة كبرى وقيمة عظمى، لذا يتوجب الحفاظ عليها وصيانتها. وردت العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد على قيمة الإنسان، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصفه الإنسان بأنه "بنيان الرب"، ويُنَدِّد بشدة بمن يقوم بهدم ذلك البنيان بقوله "ملعون من هدمه".

إن الإسلام يقدس الحياة البشرية ويحرم الاعتداء عليها، حيث يعتبر القتل من أكبر الجرائم. وقد نهى القرآن الكريم عن القتل بقوله تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق". كما أشارت سورة الإسراء إلى مبدأ القصاص ونهت عن الإسراف فيه.

أما في المجتمعات التي كانت تعتمد على الانتقام الجماعي عندما يرتكب فرد من أفرادها جريمة، فقد وضع الإسلام حداً لذلك وأعلن أن المسؤولية تقع فقط على الجاني، وهو الوحيد الذي يعاقب على جريمته.

وتهدف الشريعة الإسلامية إلى حماية الضروريات الخمس: الدين، النفس، النسل، المال، والعقل. تعتبر الحياة هبة من الله، وهو الوحيد الذي يملك الروح ويقرر مصيرها. تنص الشريعة على عقوبة الإعدام في حال الاعتداء على حياة الإنسان لتحقيق العدالة. القتل في الشريعة نوعان:

القتل المحرم: هو كل قتل يتضمن عدواناً وظلماً.

القتل بحق: هو كل قتل لا يتضمن عدواناً، مثل قتل القاتل أو المرتد. يُعتبر القتل المحرم من أفعال محرمة وقد ذكر القرآن والسنة تحريمه. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس".

وقسمت الشريعة الإسلامية الجرائم إلى ثلاثة أنواع: جرائم الحدود، التعزير، والقصاص. جرائم الحدود تشمل الزنا، السرقة، القذف، شرب الخمر، الردة، البغي، والقتل المعاقب عليه بالقصاص. القصاص يكون للقتل العمد فقط ولا يمكن للقاضي أن يخفف العقوبة أو يستبدلها. قال الله تعالى: "كتب عليكم القصاص في القتلى".

تشير الشريعة إلى أن القصاص يحقق العدل، ويمكن لولي المجني عليه العفو عن الجاني مجانًا أو مقابل دية. إذا كان العفو مقابل دية، يجب على القاضي الحكم بها. القصاص غير جائز في بعض حالات القتل مثل قتل الأب لولده أو قتل الحدث.

 وحيث إن الحياة هبة من الله. فقد اعتبر الإسلام أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحياهم. وكتب الله سبحانه على بني إسرائيل ذلك، وأرسلن لهم رسلاً بالبينات، لكن كثير منهم استمروا في الفساد.

ووفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، يمكن أن تصل عقوبة جرائم الحرابة والقتل العمد إلى الإعدام كوسيلة للقصاص، وتتضمن هذه العقوبة حق الله وحق الفرد. ومع ذلك، يمكن إسقاط العقوبة بالعفو من قبل الضحية قبل وفاته، أو من أحد أولياء الدم، أو بالتوصل إلى صلح مقابل الدية. يُجمع أهل الفتوى على عدم جواز تنفيذ القصاص دون حكم من السلطة العامة، وإذا عفا ولي الدم يسقط حقه في القصاص وتحتفظ السلطة العامة بحقها في توقيع العقوبة المناسبة على الجاني حتى وإن كانت قتلاً.

وتعد سيلة التنفيذ لعقوبة الإعدام في القتل قصاصًا هي السيف، بناءً على قوله (صلى الله عليه وسلم) "لا قود إلا بالسيف". أما من يقيم الحد فهو الإمام أو من يوليه الإمام.

ويتطلب إثبات جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية شهادة أربعة شهود تتوفر فيهم شروط معينة تخص سلوكهم والثقة بشهاداتهم. قال تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله".

التشريع الإسلامي يطلب أدلة قوية في إثبات الزنا، منها شهادة أربعة شهود أو الإقرار. غير المتزوجين يُجلدون، أما المحصنون فالعقوبة هي الرجم بالحجارة، ثابت بالسنة. العبد يُجلد خمسين جلدة ولو كان محصنًا، ويكفن ويصلى عليه بعد وفاته. الحامل لا تُنفذ فيها العقوبة حتى تضع وتكمل رضاعة طفلها.

أما طريقة الرجم فيبدأ بذلك الشهود، ثم الإمام، ثم الناس. والمرأة يحفر لها إلى السرة. وفي حالة الإقرار على النفس، فالإمام هو الذي يبدأ بالرجم ثم الناس. وبذلك نجد أن زنا المحصن يترتب عليه الرجم حتى الموت، والمحصن هو المتزوج زواجًا صحيحًا من ذكر أو أنثى، ونلاحظ قسوة هذه العقوبة تحقيقًا للردع العام

تطبيق عقوبة الإعدام بالزاني المحصن والزانية المحصنة بالرجم يتطلب الشروط التالية: الحرية، العقل، البلوغ، الإسلام، الأهلية، والكمال العقلي، وعدم الإكراه. للإثبات، يحتاج إلى إقرار الفاعل أو شهادة أربعة شهود يشاهدون الفعل بوضوح.

ونلاحظ صعوبة وجود هذه الأدلة والقرائن. وهذا التسامح يتيح للجاني فرصًا عديدة للإنكار والإنكار يسقط الحد. وقد حدث أن وقف زانٍ اسمه ماعز أمام سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقر أمامه بأنه زنى، فقال له الرسول أبك خبل؟ أبك جنون؟ وبعث إلى قومه فسألهم عن حاله فعرف أنه صحيح العقل، فسأله عن ماهية الزنا وكيفيته ومكانه والمزني بها، وقد أقر ماعز أمام الرسول بالزنا أربع مرات في أربعة مجالس مختلفة، وقد أشاح الرسول عليه الصلاة والسلام وجهه عنه وماعز يصر على إقراره، وبعد ذلك هرب ماعز، فركض الناس يبحثون عنه ليقيموا عليه الحد، فقال لهم الرسول هلا تركتموه؟!

وبذلك نجد أن الإنكار والهروب هما عدول عن الإقرار وإسقاط للحد. ولهذا السبب، فإن عقوبة الإعدام وردت في الشريعة الإسلامية حصرًا للقتل العمد والحرابة، والردة، والبغي والزنا. وبهذا فإن الديانات السماوية حدت من تنفيذ هذه العقوبة وطالبت بتوافر شروط صعبة للحكم بها، وأعطت الفرصة، لمن يستطيع، بأن يجنب نفسه إيقاع هذه العقوبة عليه، ومرد ذلك كله هو أن الديانات السماوية تدعو، في الكلمة الأخيرة، إلى حماية المجتمع وإصلاح الجناة في آن معًا.

 

 

 

 

الفصل الثالث

الجرائم المعاقب عليها بالإعدام في القانون السوداني

يحدد القانون السوداني بعض الجرائم التي تستحق الإعدام، وسنناقش أسباب ذلك. في الفصل القادم، سنتناول المتطلبات اللازمة لإثبات هذه الجرائم نظراً لخطورة العقوبة.

1-      جريمة تقويض النظام الدستوري:

وفقاً للمادة 50 من القانون الجنائي السوداني، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو لمدة أقل من يقصد تقويض النظام الدستوري أو تعريض استقلال البلاد للخطر، مع إمكانية مصادرة جميع أمواله.

وتعتبر هذه الجريمة خطيرة لأنها قد تؤدي إلى فوضى شاملة تهدد حياة الملايين وتسبب أزمات اقتصادية واجتماعية ، مع ملاحظة أن العقوبة ليست دائمًا الإعدام؛ يمكن أن تكون السجن المؤبد أو لمدة أقل، ومصادرة الأموال اختيارية.

جريمة إثارة الحرب ضد الدولة:

تحدد المادة 51 من القانون الجنائي عدة صور لهذه الجريمة، مثل:

·        جمع الأفراد وتدريبهم دون إذن.

·        تجنيد الجنود من داخل البلاد لغزو دولة أجنبية.

·        تخريب وإتلاف المؤن، والمعدات، والسفن والطائرات.

·        تدمير المنشآت بغرض الإضرار بمركز البلد الحربي.

3_ القتل العمد

تنص المادة 130 من القانون الجنائي على أن الفعل يعتبر قتلاً عمدًا إذا كان بقصد الجاني. يعاقب الجاني بالإعدام قصاصًا. في الإسلام، الحياة البشرية مقدسة ولا يجوز إنهاؤها إلا بالحق. كما يحرم الإسلام الانتحار.

نشير إلى أن هذه العقوبة ليست مطلقة، بل يتطلب القانون، بالإضافة إلى وجوب إثبات الجريمة، أن تتوافر شروط معينة لتنفيذ حكم الإعدام. قد يتم إسقاط القصاص في بعض الحالات، وسوف نستعرض ذلك عند الحديث عن موجبات القصاص ومسقطاته.

المادة 146 الزنا:

حرّم الإسلام الزنا لأنه يسبب اختلاط الأنساب وانتشار الأمراض وفقدان الثقة بين الأزواج. لذلك، وجعل عقوبة الزاني المحصن الرجم، ومع ذلك، فإن إثبات هذه الجريمة صعب ويمكن دفعه بالشبهة. سنتناول ذلك عند الحديث عن إثبات الجريمة.

المادة 148 جريمة اللواط:

حرمت جميع الأديان السماوية هذه الجريمة، وتُعرف قصة قوم لوط الذين خسف الله بهم الأرض (قرية سدوم). ومن هنا جاءت الكلمة الإنجليزية "sadomy"، التي تعني من يرتكب هذا الفعل. هذا الفعل يلقى استهجانا عاماً، رغم بعض الدعوات لتقنينه. لكنه محل معارضة لأنه يخالف الطبيعة البشرية، ويسبب إهانة للممارِس، بالإضافة إلى الأمراض الخطيرة التي يسببها مثل الإيدز.

ينص القانون السوداني على تطبيق العقوبة عند ارتكاب الفعل للمرة الثالثة.

المادة 168: الحرابة

الحرابة تعني قطع الطريق، وهي جريمة ينجم عنها ترويع الناس والتأثير السلبي على حركة التجارة والاقتصاد. ومع ذلك، تُخفف هذه العقوبة في بعض الحالات كما سنرى لاحقًا.

المادة 177 ـ2 خيانة الأمانة من الموظف العام

تحدد المادة 177 من القانون الجنائي لسنة 1991 أركان جريمة خيانة الأمانة التي تشمل جحد المال، تحويله للمنفعة الخاصة، تبديده أو استخدامه بما يخالف مقتضى الأمانة. وتنص على معاقبة الجاني بالإعدام إذا كان موظفاً عاماً، أو السجن كعقوبة بديلة.

الجرائم ضد الانسانية.

أُضيفت إلى القانون الجنائي السوداني جرائم جديدة نتيجة تزايدها وتشمل: القتل العمد، الإكراه الجنسي، الخطف، سجن الأفراد، حرمانهم من حقوقهم والإنجاب، وجرائم الإبادة الجماعية. وقد تم النص عليها في الباب الثامن عشر من القانون، وتعترف بها الاتفاقيات الدولية والإقليمية كجرائم خطيرة تتطلب مقاومة ومكافحة. وتُعتبر هذه الجرائم غير مقبولة إنسانياً.

قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994:

يعاقب القانون على جرائم الاتجار في المخدرات وإنتاجها وشرائها أو زراعتها، وكذلك حيازة الأسلحة والمتفجرات. تكون العقوبة بالسجن المؤبد والغرامة في حالة العود أو إذا كان الجاني موظفًا عامًا مكلفًا بمكافحة هذه الجرائم أو ارتكبها مع شخص صغير أو مريض عقلياً أو كانت مرتبطة بجرائم عالمية أخرى كتهريب الأسلحة والنقود أو جزء من نشاط عصابات عالمية.

لا شك أن الحديث عن خطورة المخدرات ودورها الهدام في المجتمع وآثارها الاقتصادية والاجتماعية المدمرة هو أمر ضروري. وقد وضع المشرع شروطًا محددة يتم تطبيقها على بعض مرتكبي هذه الجريمة، وليس على جميعهم.

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

ضمانات تطبيق عقوبة الإعدام في القانون السوداني

قام المشرع السوداني بوضع ضمانات صارمة لتطبيق عقوبة الإعدام. وتشمل هذه الضمانات ما يلي:

أولًا: الضمانات الدستورية:

ينص دستور السودان الانتقالي لعام 2005 في المادة 36 على ما يلي:

36 (1) لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام حدًا أو قصاصًا إلا جزاءً على جرائم بالغة الخطورة وفقًا للقانون.

لا يجوز توقيع عقوبة الإعدام على من تقل أعمارهم عن 18 عامًا أو تزيد عن 70 عامًا، باستثناء جرائم القصاص والحدود.

لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام على الحوامل والمرضعات إلا بعد مرور عامين من الرضاعة.

وفقًا للوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، يعتبر احترام حقوق الإنسان والعدالة العادلة من الأسس التي يجب العمل بها خلال الفترة الانتقالية. وثيقة الحقوق جزء لا يتجزأ من هذه الدستور وتمثل المرجعية الأساسية لكافة التشريعات.

ثانياً: ما نصت عليه الوثيقة الدستورية لسنة 2019 بشأن ضمانات تنفيذ عقوبة الإعدام:

تنص الوثيقة الدستورية لسنة 2019 على توفير كافة ضمانات المحاكمة العادلة وعدم تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بعد استنفاد جميع وسائل الطعن والاستئناف المتاحة للمتهم. كما تشدد الوثيقة على عدم تنفيذ العقوبة إذا كانت هناك شكوك معقولة حول صحة الحكم أو إذا كان المتهم يعاني من مرض نفسي خطير.

ينص الدستور في المادة 34 على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك براءة المتهم حتى تثبت إدانته، والحق في محاكمة عاجلة، وتمثيله من قبل محامٍ.

ثانيًا: الضمانات القانونية:

أ. قانون الإجراءات الجنائية في السودان لعام 1991 يقسم الدعوى الجنائية إلى مرحلتين: مرحلة التحري ومرحلة المحاكمة. تتولى النيابة الجنائية، وهي جهة مستقلة، المرحلة الأولى، بينما تتولى المحكمة المرحلة الثانية. هذا الفصل يضمن عدم تأثر المحكمة بالتحريات السابقة، كما يوفر القانون واللوائح ضمانات عديدة مثل حق الدفاع واستئناف قرارات النيابة.

تطبق عقوبة الإعدام فقط بواسطة المحكمة الجنائية العامة، وهي تحت إشراف محكمتي الاستئناف والعليا، مما يعني أن القاضي يمتلك خبرة كافية لتطبيق القانون.

نصت المادة 153 من هذا القانون على أنه إذا كان الشخص يواجه جريمة عقوبتها الإعدام وكان معسرًا، وجب على الدولة ممثلة في النائب العام  أن تعين محاميًا للدفاع عنه وتتحمل الدولة كل التكاليف أو بعضها. نصت المادة 181 على ضرورة رفع كل حكم بالإعدام إلى المحكمة العليا بقصد التأييد.

تنص المادة 191 على أنه يجب رفع حكم الإعدام إلى رئيس الجمهورية، الذي يملك حق استبداله بعقوبة أخرى. كما تنص المادة 193 على وجوب إيقاف تنفيذ الحكم لمن بلغ السبعين أو الحامل، إذا ثبت ذلك لمدير السجن وعليه إعادة الأمر للمحكمة.

تنص المادة 195 على ضرورة إعلام أولياء الدم بحضور التنفيذ، ولهم الحق في طلب وثيقة التنفيذ. كما يضمن القانون جميع طرق الطعن والاستئناف أمام محاكم الاستئناف والمحكمة العليا ودائرة المراجعة، وهي دائرة من خمسة قضاة تراجع حكم المحكمة العليا إذا خالف الشريعة الإسلامية أو وقع خطأ قانوني، وذلك في غضون ستين يوماً من إعلان الحكم.

أصدر المشرع قانون الإثبات لتحديد معايير إثبات الدعوى الجنائية، وخاصة الجرائم التي تستوجب عقوبة الإعدام. اتبع القانون السوداني نهج القانون الإنجليزي في جعل مستوى الإثبات أعلى من الشك المعقول، حتى في الحالات التي يعترف فيها المتهم بارتكاب الجريمة.

مسقطات القصاص

يسقط القصاص في بعض الحالات قبل تنفيذ الحكم، وهي:

·        إذا كان المجني عليه فرعًا للجاني.

·        إذا عفا المجني عليه أو أحد أوليائه.

·        إذا أصيب الجاني بجنون قبل التنفيذ.

سقوط حد الحرابة:

إذا تخلى الجاني عما هو عليه قبل القدرة على القبض عليه.

اتبع القانون السوداني نهج الإثبات المستند إلى القانون الإنجليزي، حيث جعل مستوى الإثبات الجنائي أعلى من مرحلة الشك المعقول، حتى في الحالات التي يقر فيها المتهم بارتكاب الجريمة.

جريمة الزنا

يعاقب المحصن على جريمة الزنا بالإعدام وفق قانون الإثبات:

الإقرار غير المرجوع عنه حتى قبل التنفيذ.

شهادة أربع رجال عدول تتفق أقوالهم.

الحمل لغير الزوجة إذا خلا من شبهة.

نكول الزوجة عن اللعان.

تنص المادة 65 على درء الحدود بالشبهات.

نتائج

من خلال الدراسة تبيّن ما يلي:

1.       عقوبة الإعدام ثابتة في الشريعة الإسلامية بضوابط محددة، وليست مطلقة.

2.     القانون السوداني يستمد جزءاً كبيراً من أحكامه من الشريعة، لذلك أبقى على الإعدام في جرائم كبرى.

3.     عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام في السودان أكبر من العديد من الدول، وذلك لخصوصية المجتمع والقانون المستند للشريعة.

4.       توجد ضمانات واسعة قبل تنفيذ الإعدام، تشمل القضاء، والرئاسة، والدستور.

5.     أغلب الجرائم التي تستوجب الإعدام صعبة الإثبات أو مقيدة بضمانات مثل القصاص أو الشروط الشرعية.

6.     الاتجاه الدولي يسير نحو تقليل العقوبة أو إلغائها، مما يضع السودان أمام تحديات تشريعية مستقبلية.

التوصيات

1.       تقليص عدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام وحصرها في الجرائم الأشد خطورة فقط.

2.       تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة بإلزام توفير محامٍ متخصص في كل مراحل الدعوى.

3.       مراجعة التشريعات المتعلقة بالإعدام بما يتوافق مع حقوق الإنسان دون تعارض مع الشريعة.

4.       إعداد برامج تدريب للقضاة ووكلاء النيابة في قضايا الإعدام.

5.       توسيع سلطة العفو وتشجيع آليات الصلح والدية.

تعزيز الوعي المجتمعي بحدود العقوبة ومقاصد الشريعة في حفظ النفس

المراجع:

القرآن الكريم

1-د. محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات، القسم العام - النظرية العامة للجريمة. دار النهضة، القاهرة.

د. محمود السقا: فلسفة عقوبة الإعدام. دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، المغرب 1978.

د. محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات اللبناني، القسم العام، المرجع السابق.

محمد أبو زهرة: الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي- مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة 1957.

محمد الفاضل: المبادئ العامة في التشريع الجزائي – جامعة دمشق 1973.

عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي – الجزء الثاني، الطبعة الأولى، القاهرة 1960.

قانون العقوبات السوداني لسنة 1991.

قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991.

قانون الإثبات السوداني لسنة 1993.

قانون المخدرات السوداني لسنة 1994.

دستور السودان الانتقالي لسنة 2005.

الوثيقة الدستورية السودانية لسنة 2019.